محمد أبو زهرة
194
المعجزة الكبرى القرآن
أنها ليست كخمر الدنيا ، وما يذكر فيها ليس من نوع ما في الدنيا ، ولا من جنسه ، ولقد قال عليه الصلاة والسلام : « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » . ونحن نؤمن أولا بأن نعيم الجنة حسى وعذاب النار حسى ، ونؤمن ثانيا ، بأن كل ذلك ليس من جنس ما هو في الدنيا ، بل هو أعلى وأعظم فكأن الألفاظ التي تقال عن ذلك مستعارة من ألفاظ الدنيا ، ليمكن تقريبها إلى النفوس والأشخاص الذين لا يرون إلا المحسوس . ثالثها : أن الاستعارة تثير صورا بيانية في الألفاظ والمعاني كالتشبيه ، لأنها تربط بين المعاني بعضها مع بعض ، وفيها نقل ألفاظ الناس من معان إلى القريب منها المتناسب معها ، فوق ما يثيره من أخيلة تحلق بالتالي للقرآن في أجواء من البيان ، اقرأ قوله تعالى في تصوير حال من اعتراه الندم ، ولا يجد مخلصا إلا أن يعترف قوله : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) [ الأعراف : 149 ] . فالتعبير في قوله تعالى : سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ هو استعارة في الدلالة على الندم ، لأن النادم يحس بالسقوط ، ويحس بأنه هبط ، فشبه القرآن حالهم في أن الندم برح بهم بمن سقط في يده وهو دال على سقوطه فيما لا يليق ، فشبه المعنى الخاص بالندم من ألم ، ومن ظهور للخطأ ، أو الإحساس بالخطيئة بمن سقط في يده دليل إثمه ، ولا يجد مناصا من التخلص من جرمه ، وأن الصورة البيانية التي تصورها كلمة سقط ، وتبين حالهم لا يقوم مقامها كلمة ندموا . ولقد صور سبحانه وتعالى حال أهل الكهف في أنهم لا يسمعون . فقال تبارك وتعالى : فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) . [ الكهف : 11 ] فإن كلمة ضرب تدل على أن اللّه تعالى منع السماع ، كأنه غلق عليهم باب السمع ، وضرب عليه ، فلا يفتح سنين عددا ، وذلك يصور حالهم من أنهم لا يسمعون ما يجرى ، والناس يحسبونهم أيقاظا يحسون بما يحس غيرهم ، ولقد بيّن الرماني معنى الاستعارة هنا ، فقال : حقيقة معناه ، منعناهم الإحساس بآذانهم من غير صمم ، والاستعارة أبلغ ، لأنه كالضرب على الكتاب ، فلا يقرأ ، كذلك المنع من الإحساس فلا يحس ، وإنما دل على الإحساس بالضرب على الآذان دون الضرب على الأبصار ، لأنه أدل على المراد من حيث كان قد يضرب على الأبصار من غير ذهاب للبصر فلا يبطل الإدراك رأسا ، وذلك بتغميض الأجفان ، وليس كذلك منع الأسماع من غير صمم في